الأمم المتحدة.. ماذا قدمت لشعوب العالم؟!

احتفل العالم يوم 24 الشهر الحالي بالذكرى الـ72 للأمم المتحدة والتي كانت مصر إحدى الدول الـ51 المؤسسة لها، وهذه مناسبة لنجدد عرفاننا وامتناننا لمصر التي تدين لها المنظمة بوجودها وننوه بالدور الحيوي الذي ما فتئت مصر تلعبه في كل الهيئات الأممية، وفي كل الملفات المطروحة على جدول أعمال المجموعة الدولية.

وهذه أيضا مناسبة لتقييم أداءها في تنفيذ ما نص عليه ميثاقها، فهل الأمم المتحدة قادرة اليوم على ترتيب بيت الإنسانية المشترك؟
هو سؤال يشغل الجميع، وهو السؤال الذي جعل الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيرش من الإجابة عليه المحور الأساسي لعمله منذ توليه منصبه.

في كلمته أمام الجمعية العامة يوم 19 سبتمبر 2017، وفي تقاريره التي رفعها لأجهزة المنظمة صاحبة القرار، واجه أنطونيو غوتيرش المجتمع الدولي بتشخيص صريح للحالة الراهنة للأسرة الدولية، واصفًا عالمنًا اليوم بأنه عالم مجزأ ولا ينعم بالسلام؛ حيث ارتفع فيه عدد النزاعات التي أضحت تدوم لفترات أطول، إذ يؤججها الإرهاب والتطرف المصحوب بالعنف والشبكات الإجرامية العابرة للحدود وغيرها من العوامل.

هو عالم تهدد فيه المجاعة شعوبًا عدة بسبب تغير المناخ، عالم – وإن كان قد حقق مكاسب مهمة من جراء العولمة في مجال مكافحة الفقر – يجد نفسه اليوم في مواجهة مع التبعات السلبية لهذه العولمة نفسها، وخاصة منها التوزيع المتفاوت للثروة، تبعات تهدد ما تم تحقيقه بشق الأنفس نحو مكافحة الفقر وتعزيز الأمن المشترك.

عالم تشكل فيه ثروة 8 أشخاص ما يعادل نصف ثروة الإنسانية بأكملها، عالم يواجه موجة نزوح وهجرة ولجوء لم يسبق لها مثيل منذ الحرب العالمية الثانية؛ بسبب الصراعات والحروب، وتغير المناخ وما تسبب فيه من جفاف وشح المياه، والنمو الديمغرافي، وعدم المساواة والإقصاء والتهميش، والبطالة، خاصة في صفوف الشباب، ونصف سكان العالم عمرهم أقل من 25 سنة، وغيرها من الأسباب التي تدفع بإنسان لترك موطنه وأهله؛ للبحث عن فرص حياة أفضل وأكثر أمانًا، عالم يواجه أزمة تضامن في معالجة مسألتي الهجرة واللجوء، عالم تنامى فيه الشعور القومي المتطرف ورفض “الأجنبي” عالم، لا تزال فيه المرأة في العديد من المجتمعات والدول مهمشة، ومبعدة عند لعب دورها الأصيل في مجتمعها ومراكز صنع القرار، وهي التي تمثل نصف الإنسانية.

عالم يواجه خطر السباق النووي، عالم تعالت فيه الأصوات المشككة في تعددية الأطراف كآلية لمواجهة المخاطر المحفة بالإنسانية جمعاء.
قاتمة فعلا هي الصورة التي قدمها الأمين العام، ولكنها تشخيص واقعي لعالمنا اليوم؛ والهدف منها ليس زرع الإحباط، ولكن تشخيص العلل حتى نتمكن من معالجتها.

وقد عرض أنطونيو غوتيرش رؤيته للحل المناسب لكل تحد نواجهه، وكل الحلول التي عرضها تتمحور حول اعتماد تعددية الأطراف، سواء على الصعيد الإقليمي أو العالمي؛ حتى تكون الإنسانية على مستوى التحديات التي نواجهها، إذ يستحيل على أي دولة أن تتصدى منفردة لأي من المخاطر والتحديات التي تحف بنا جميعًا.

ولقد أقر الأمين العام أن ما يطرحه لن يكتب له النجاح إذا لم تتدارك الأمم المتحدة، وهي حجر الزاوية لنظام تعددية الأطراف، النقائص البينة التي جعلت موثوقيتها موضع شك وتشكيك لدى فئات كثيرة وعديدة، وتصلح من طرق عملها؛ حيث إن التحديات الراهنة تفوق القدرة الحالية لمنظومة الأممية على التصدي لها.

وركز الأمين العام على أولويات ثلاث في عمل الأمم المتحدة يتعين إخضاعها لعملية إصلاح عميقة ومستمرة، وهذه الأولويات هي: العمل الذي تتطلع له الأمم المتحدة لإرساء السلام والأمن، والدعم الذي تقدمه للدول لتحقيق التنمية المستدامة، والإدارة الداخلية لعمل الأمم المتحدة.
ففي مجال حفظ السلام والأمن الدوليين، شدد الأمين العام على إعمال وتفعيل الوقاية من النزاعات والتي اعتبر عجز المجموعة الدولية على منع نشوبها أخطر نقائص العمل الدولي.

وأكد في هذا المضمار ضرورة تركيز الوقاية على معالجة الأسباب الجذرية للنزاعات، وعلى أن تشمل النهوض بالدعم الذي تقدمه الأمم المتحدة للبلدان في تعزيز مؤسساتها وجعل مجتمعاتها أقدر على الصمود وعلى ضرورة إرساء وإعمال حقوق الإنسان وعلى حماية وتمكين المرأة من القيام بدورها الذي أثبتت التجارب حيويته في إحلال السلام.

وقد أصدر الأمين العام تقريره حول إعادة تشكيل هيكل ركيزة السلام والأمن في الأمم المتحدة يوم 13 أكتوبر، والتي تهدف المقترحات التي يتضمنها إلى ما يلي: (أ) إيلاء الأولوية للوقاية وللحفاظ على السلام؛ (ب) تعزيز فعالية عمليات حفظ السلام والبعثات السياسية الخاصة واتساقها، وكفالة وضع العمل السياسي والمرونة في النهج في مكان الصدارة؛ (ج) جعل ركيزة السلام والأمن أكثر اتساقًا وبراعة وفعالية باتباع نهج مبنيّ على ”الركيزة بأكملها“ لمعالجة التجزؤ؛ (د) المواءمة بين ركيزة السلام والأمن وركيزتي التنمية وحقوق الإنسان بشكل أوثق.

ووقف الأمين العام في تصوره للمعالجة الأنجع للتحديات القائمة للأمن والسلم الدوليين على ظاهرة الإرهاب، مؤكدًا في هذا الإطار ضرورة مراجعة عمل المجموعة الدولية في مجال التصدي لها، وإيجاد آلية أفضل للتنسيق فيما بين كيانات الأمم المتحدة الـ38 المعنية بهذه المسألة، وكخطوة ملموسة في هذا الاتجاه، سوف يعقد الأمين العام السنة المقبلة اجتماعًا غير مسبوق والأول من نوعه في تاريخ الأمم المتحدة لرؤساء وكالات مكافحة الإرهاب للدول الأعضاء للمنظمة؛ من أجل بناء شراكة دولية جديدة لمكافحة الإرهاب.

أما في مجال دعم جهود الدول لتحقيق التنمية المستدامة، تعهد الأمين العام بجعل التنمية محور عمل الأمم المتحدة، مشددًا هنا أيضًا على ضرورة توخي الوقاية في كل عمل تقوم به الأمم المتحدة، كما تعهد بالإسهام في عملية إصلاح شامل لمنظومة الأمم المتحدة الإنمائية؛ سواء على صعيد المقر أو على الصعيد القطري للأمم المتحدة وصناديقها وبرامجها ووكالاتها المتخصصة.

وشدد على أن عملية الإصلاح هذه سوف تتمحور حول ثلاثة عناصر أساسية وهي: (الكفاءة والإنجاز والمساءلة)؛ حتى يكون عمل منظومة الأمم المتحدة ذا فائدة ملموسة لشعوب العالم، وخاصة من منهم في معاناة أشد وألح.

أما الأولوية الثالثة في خطة الإصلاح التي طرحها الأمين العام، فتتعلق بإصلاح إدارة الأمم المتحدة وبيرقراطيتها التي تحول دون التنفيذ الفعال للولاية المنوطة بالمنظمة.
ولقد طرح الأمين العام تقريره، الذي ينطوي على خطة إصلاحية لجعل المنظمة أكثر مرونة وفعالية وسرعة في الأداء والإنجاز، وتجعل المساءلة الركيزة الأساسية لعملها.

الأمم المتحدة – بإقرار الجميع، وأولهم أمينها العام – بحاجه ملحة لأن تتجدد وعليها يقع العبء، اليوم أكثر من أي وقت مضى منذ إنشائها، أن تثبت قيمتها في إيجاد وتفعيل حلول مشتركة لمشكلات بيتنا العالمي المشترك، وترجمة تطلعات شعوب العالم، وخاصة من يعانون منهم أشد المعاناة، إلى واقع ملموس.

ونحن نعول وكثيرًا على دعم مصر لتحقيق هذه الأهداف، مصر التي ما فتئت تلعب دورًا قياديًا، بما في ذلك على مستوى المجموعة العربية والمجموعة الإفريقية، وحركة عدم الانحياز ومجموعة الـ77، والصين التي ستترأسها قريبًا وفي مجلس الأمن، نحو إرساء منظومة عالمية تراعي مصالح الدول النامية في جميع المجالات.

كما تتطلع أسرة الأمم المتحدة العاملة في مصر بأفرادها الـ34، إلى مواصلة شراكتها المثمرة والبناءة مع الحكومة المصرية؛ لتنفيذ أهداف التنمية المستدامة، والذي خطت فيه مصر خطوات مهمة، مسترشدين في ذلك بمبادئ الأمم المتحدة ومثلها، وبما يتماشى مع الإستراتيجية الوطنية للتنمية المستدامة: “رؤية مصر 2030”.

العبء الذي يقع على عاتقنا اليوم عبء ثقيل، ولكننا يجب أن نقر أنه وليد اختيارات قمنا بها نحن ومن سبقنا، وعليه يتعين علينا اليوم العمل معًا على الإيفاء بالوعود التي قطعناها على أنفسنا في ميثاق الأمم المتحدة، وكل ما التزمنا به في المواثيق والعهود الدولية لتأمين حياة أفضل لأنفسنا ولأطفالنا ولشبابنا، وحتى تحترمنا الأجيال المقبلة؛ لأننا تداركنا نقائصنا وحرصنا على تأمين مقومات الحياة الكريمة للجميع دون إقصاء.

لقد أثبتنا في السابق ومازلنا أننا قادرون على التغيير، وعلى العمل المشترك، فلنستمر معًا وبثبات، والنجاح لن يكون إلا حليفنا.

راضية عاشوري
مديرة مركز الأمم المتحدة للإعلام بالقاهرة

شاركها أو إطبعها....Share on FacebookTweet about this on TwitterShare on Google+Print this page

شاهد أيضاً

خطاب المنسق المقيم للأمم المتحدة في جمهورية مصر العربية بمناسبة الاحتفال بيوم الأمم المتحدة

خطاب المنسق المقيم للأمم المتحدة في جمهورية مصر العربية، السيد ريتشارد ديكتس بمناسبة الاحتفال بيوم …