من النيل للبحر الأحمر..كيف استطاعت فتاة مصرية أن تجد وظيفة أحلامها عبر البحر

قنا، مصر – وُلدت دنيا زكريا البالغة من العمر 24 عامًا في مدينة قنا التي تقع في وادي الملوك على ضفاف النيل على بعد بضعة كيلومترات شمال الأقصر. يشتهر صعيد مصر (الذي يقع في جنوب البلاد) بغناه الثقافي وتقاليده الصارمة التي تخلق أحيانًا بيئة غير داعمة للفتيات والنساء، فتُحرم العديد منهن من الحق في التعليم أو السفر لمكان بعيد لاستكمال الدراسة أو العمل.

قالت دنيا: “كوني فتاة كان التحدي الأكبر الذي واجهته في مسيرتي المهنية.”

لكن بمساعدة أسرة داعمة متفتحة، استطاعت دنيا أن تصبح أول مهندسة تنسيق حدائق في منتجع سياحي في مصر.

“عندما كنت آخذها إلى المصنع وهي صغيرة، لم يكن لدي أي أهداف تعليمية. كنت أبًا فخورًا سعيدًا بوقت أكثر أقضيه مع طفلتي المحببة. أنا سعيد لأنها تعلمت الكثير من الأشياء التي جعلت منها ما هي عليه اليوم” قال يحيى.

اقتحام مجالات يسيطر عليها الذكور منذ الطفولة

بداية القصة كانت في مصنع “الفلنكات” حيث يعمل والد دنيا المهندس يحيى زكريا منذ أن كانت دنيا طفلة.

يحكي يحيى: “كانت تبلغ من العمر أربع سنوات فقط عندما أتت إلى هنا للمرة الأولى، وكانت تجري في كل مكان ونحن خلفها. أحبها الجميع هنا، وساعدوني في الحفاظ على سلامتها من الآلات الخطرة.”

على مدار الأعوام، أصبح يحيى مرشدًا لدنيا: “علمني كيفية إعداد الخطابات الرسمية، والتعامل مع أوراق العمل وأشياء أخرى. أعطاني ذلك ميزة إضافية في جميع الأنشطة الطلابية والعمل التطوعي الذي التحقت به فيما بعد.”

درست دنيا في كلية الزراعة بجامعة جنوب الوادي، وكان أول صدام حقيقي لدنيا مع التفرقة بين الجنسين بسبب اختيارها لتخصص هندسة تنسيق الحدائق في الكلية.

تحكي دنيا عن ذلك قائلة: “كان هناك اعتقاد عام بين زملائي بأن خياراتي الوظيفية في الزراعة تنحصر في وظائف إدارية لأنني فتاة، وأن مجال تنسيق الحدائق والعمل في الموقع بشكل عام – وهو ما أحبه أكثر- هي مجالات حصرية للذكور.”

لكن وجدت دنيا دعمًا هائلًا من أساتذتها الذين شجعوها على السعي لتحقيق حلمها.

” أبي هو الشخص الوحيد الذي ينظر إلي وكأني أعظم إنجازاته” قالت دنيا.

فرصة العمر

مع اقتراب موعد تخرجها، أدركت دنيا أنها بحاجة للمزيد من الخبرة العملية لكي تتميز في سوق العمل، فانضمت إلى سلسلة من الدورات التدريبية لتنمية المهارات في قنا.

كانت تلك التدريبات ضمن برنامج “مشواري” الذي تنفذه يونيسف بالتعاون مع وزارة الشباب والرياضة بدعم من الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية USAID.

بعد 6 أشهر من الانضمام إلى “مشواري”، توفرت لدنيا فرصة غيرت حياتها: مقابلة شخصية في منتجع سياحي كبير. لكن كانت هناك مشكلة واحدة، وهي أنه يبعد عن قنا حوالي 3000 ميل.

تقول دنيا: “فكرة أن تعمل وتعيش فتاة بعيدًا عن المنزل هي فكرة مستهجنة في الصعيد، حتى أن بعض الآباء لا يوافقون على السماح لفتياتهم بالعمل في نفس المحافظة.”

كانت دنيا قلقة كذلك من أن يُنظر لها باستخفاف نظرًا لنوعها الاجتماعي أو مكان نشأتها.

“يعني، من سيقبل استضافة فتاة وتدريبها تدريبًا عمليًا مكثفًا على هندسة تنسيق الحدائق – وهو مجال يسيطر عليه الرجال- في فندق دولي؟”

لكن لدهشتها، تم قبولها في المقابلة الشخصية.

قالت دنيا: “ذهبت مباشرة إلى والدي وأخبرته أن هذه هي فرصة أحلامي.”

في النهاية، اقتنع يحيى بأن يخوض معركة أخرى من أجلها ضد التابوهات، وقال: “اذهبي للعمل هناك، وسأتعامل مع مهاجميك هنا.”

“مشواري” من ضفاف النيل إلى شاطئ البحر الأحمر

بدأت دنيا تدريبها في فندق هيلتون شلالات شرم الشيخ في مارس 2018. وبعد شهر، تلقت عرض عمل كمهندسة تنسيق حدائق في نفس المنتجع.

تقول دنيا: “كان الانتقال إلى شرم الشيخ – بعيدًا عن مسكن عائلتي- أكبر قرار في حياتي.”

وتتابع: “فكرت في زميلاتي الأخريات من الصعيد اللاتي حصلن على عروض عمل في مجالات أخرى في هيلتون لكنهن لم يقبلنها لأن أهلهن لن يسمحوا لهن بالانتقال إلى شرم الشيخ. شعرت فجأة بشكل قوي أني بحاجة للذهاب وتحقيق شيء ما في هذا المكان، ليس من أجلي فقط ولكن من أجل أهلي الداعمين لي. أردت أن أجعلهم يشعرون بأن نضالهم ضد العادات والتقاليد البالية من أجل تمكيني والدفاع عني كان يستحق العناء.”

 “على إيديها نقش الحنة” مثل مصري شهير يستخدم كحجة للفتيات اللاتي لا يقمن بأعمال شاقة بأيديهن. تجمع دنيا بين جمال الحناء وبراعة العمل باليدين.

 

الحلم الذي أصبح حقيقة

 

اليوم، تواصل دنيا نجاحاتها في وظيفتها الجديدة بعد أن زالت كل مخاوفها أن يتم إسناد مجرد مهام إدارية لها.

تقول: “أعظم شيء حدث: كان لدينا جميعًا فرص متساوية! كانت القدرات والاهتمامات والإرادة هي معايير توزيع المهام.”

أثناء احتفال “مشواري” باليوم العالمي للشباب هذا العام، ألقت دنيا كلمة دعت فيها الفتيات اللواتي يشعرن بثقة أقل بسبب نوعهن أو لونهن أو مكان معيشتهن أن يواصلن المقاومة: “فلنثبت لهذه البلد وللعالم بأسره أن فتيات صعيد مصر يمكنهن العمل وتطوير أنفسهن. لنظهر لهم أننا قادرات على فعل أي شيء وكل شيء.”

تعرف أكثر على ما تقوم به يونيسف مصر في مجال تنمية النشء.
All Photos are taken by: Dalia Younis

شاركها أو إطبعها....Share on Facebook
Facebook
Tweet about this on Twitter
Twitter
Share on Google+
Google+
Print this page
Print

شاهد أيضاً

تقرير أممي يتوقع استمرار ندرة المياه بالنسبة لحاجة الفرد في المنطقة العربية بسبب النمو السكاني وتغير المناخ

  أفاد تقرير الأمم المتحدة العالمي بشأن تنمية الموارد المائية أن المنطقة العربية سوف تستمر …