كلمة المنسق المقيم للأمم المتحدة في مصر، السيد ريتشارد ديكتس، بمناسبة يوم الأمم المتحدة

القاهرة، 24 أكتوبر/تشرين الأول

أصحاب المعالي، السيدات والسادة،

يُشرفني أن أكون هنا اليوم برفقة معالي السفير حمدي سند لوزا، مساعد وزير الخارجية للشؤون الأفريقية، والسادة الضيوف الأجلاء، للإحتفال بيوم الأمم المتحدة – فعاليتنا السنوية في النادي الدبلوماسي التي تشاركنا وزارة الخارجية استضافتها. يوافق يوم الأمم المتحدة 2019 الذكرى 74 لدخول ميثاق الأمم المتحدة حيز النفاذ، وهو يوم للاإحتفاء بكل ما تمثله الأمم المتحدة وكل ما حققته منذ إنشائها في سنة 1945. في العام القادم سنحتفل بالذكرى الـ75 للأمم المتحدة. وكما ذكر أمين عام الأمم المتحدة في رسالته بمناسبة يوم الأمم المتحدة هذا العام، فإننا نعمل من أجل عولمة عادلة وعمل مناخي جريء، ونضغط من أجل حقوق الإنسان والمساواة بين الجنسين ونقول “لا” للكراهية أيا كان نوعها.

 

لقد تأسست الأمم المتحدة، كما هو مبين في الفصل الأول من الميثاق، المادة 1، من أجل:

  1. حفظ السلم والأمن الدوليين ؛
  2. إنماء العلاقات الودية بين الأمم؛
  3. تحقيق التعاون الدولي ،و تعزيز احترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية.

 

لقد كانت مصر حاضرة سنة 1945 وكان للشراكة بين مصر والأمم المتحدة معالم كثيرة. فمصر عضو مؤسس للأمم المتحدة، وهي من أكبر الدول المساهمة بقوات لحفظ السلام، وكانت عضوا  منتخبا بمجلس الأمن خمس مرات. كما ترأست مصر مجموعة الـ77 والصين بالأمم المتحدة في نيويورك العام الماضي، وفي روما هذا العام. مصر كذلك تستضيف نحو  36 مكتبا من مكاتب الأمم المتحدة ويمكن اعتبارها إحدى أكبر المراكز الإقليمية للمنظمة الأممية.

 

ولهذا فإن لهذه الشراكة تاريخا طويلا من العمل معا لحل التحديات الإنمائية متعددة الأبعداد، كما أنها تبرز التزاما موحدا بتمهيد الطريق من أجل حياة كريمة ومزدهرة للجميع. لقد شرفت شخصيا بالخدمة في صفوف الأمم المتحدة في رحلتها نحو دعم السلام والازدهار والعدالة لجميع المجتمعات والأفراد، وأزداد شرفا لقيامي بذلك في مصر، التي نفخر بمساهمتها في الأمم المتحدة وبكونها شريكا قويا في العمل متعدد الأطراف.

 

أصحاب المعالي، السيدات والسادة،

 

نحن نقترب من نهاية السنة الأولى على إصلاح منظومة العمل الإنمائي للأمم المتحدة التي بدأت بقرار الجمعية العامة رقم 72/297، بهدف أن تكون المنظومة الإنمائية متماشية مع خطة التنمية المستدامة 2030. وبموجب هذا القرار، تنفصل مهام المنسق المقيم لمنظومة الأمم المتحدة عن مهام الممثل المقيم لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP). ولعل الهدف من هذا الإصلاح يتجلى بأوضح ما يكون في الاقتباس التالي من السيدة أمينة محمد، وكيلة الأمين العام:  

 

“إننا في رحلة معا. رحلة لتنفيذ قرار الجمعية العامة للشروع في أكبر عملية إصلاح لمنظومة الأمم المتحدة الإنمائية في التاريخ. إنها عملية تحول في طريقة أداء عملنا الإنمائي بحيث تكون جوهرها. وفي حين أن الإصلاحات معنية بمسار عملنا، فإن التحول الذي نسعى إليه معني بالناس. إن جهودنا منصبة على تنفيذ سياسات تهدف إلى تمكين أكثر من تم إهماله من الناس في مسار التنمية المستدامة.”

إن مصر هي واحدة من أول المتبنين للتنمية المستدامة.  ولقد قدمت المراجعة الوطنية الطوعية الثانية لتنفيذ خطة 2030 للتنمية المستدامة إلى المنتدى السياسي رفيع المستوى في 2018. وفي هذ الصدد، فإن التقدم الذي تحرزه مصر على صعيد التنمية المستدامة هو تقدم يشهد به العالم. وفي 2018، اتفقت حكومة مصر والأمم المتحدة على إطار شراكة الأمم المتحدة من أجل التنمية (UNPDF). تأسس إطار شراكة الأمم المتحدة من أجل التنمية بعملية تشاورية وثيقة ومكثفة مع حكومة مصر وأصحاب المصلحة الآخرين. ويهدف إطار شراكة الأمم المتحدة من أجل التنمية إلى تحقيق التوافق مع الاستراتيجية الوطنية للتنمية المستدامة؛ رؤية مصر 2030. والآن ونحن في سنة التنفيذ الثانية ، فإننا نوسع الملكية المشتركة لكل أطراف إطار شراكة الأمم المتحدة من أجل التنمية – بترأس مشترك من قبل وزارة الاستثمار والتعاون الدولي والمنسق المقيم للأمم المتحدة للهيئة العليا المشرفة على تنفيذ إطار الشراكة ، كما تخضع جميع الأجزاء الأخرى لهياكل إدارة إطار شراكة الأمم المتحدة من أجل التنمية (الفرق المعنية بنتائج إطار الشراكة) لرئاسة مشتركة بين الحكومة والأمم المتحدة – وهذا لضمان استمرار اتساق عمليات الأمم المتحدة في مصر مع سيناريو التنمية المستدامة في البلد الآخذ في التطور وتملشيها معه.

يثبت إطار شراكة الأمم المتحدة من أجل التنمية قيمته من خلال تحديده وتوضيحه لتركيز منظومة الأمم المتحدة على التنمية المستدامة. وهو يسلط في الوقت ذاته الضوء على الحاجة لقدر أكبر من التوافق العملياتي مع الخطة الوطنية للتنمية المستدامة، رؤية مصر 2030 – ونحن بانتظار الخطة الوطنية الجديدة لضمان العمل على تعميق هذه العملية. وتظهر النتائج التي تحققت في 2018 و2019 أن الأمم المتحدة أضحت تركز على نحو متزايد على خطة 2030 وعدم إغفال أي كان. إلا أنه عمل مستمر ويجري تطويره، خاصة فيما يتعلق بتطوير الأثر  الوطني لعمل الأمم المتحدة وتحقيق تغيير تحولي لصالح الجماعات أو الطبقات السكانية المحددة المستهدفة. ولقد تجلت القدرة على تعظيم النتائج، على سبيل المثال، في الدعم المقدم لبرامج “تكافل وكرامة”، كما تبرز القدرة على إحداث تأثيرات وطنية سريعة في ظل الاستراتيجية الوطنية لتمكين المرأة، إذ تخطت مصر هدفها لـ2030 فيما يتعلق بنسبة النساء اللواتي لديهن حسابات بنكية في 2018 بواقع 9 في المائة.

وتشمل الأمثلة الأخرى قدرة منظومة الأمم المتحدة على تقديم  المشورة السديدة والمحفزة والحبنية، على مستوى السياسات في مجالات التنمية المستدامة الاستراتيجية مثل إصلاح التعليم وقانون التأمين الصحي الشامل الذي تم إقراره حديثا. ولقد واصلت الأمم المتحدة خلال العام المنصرم تعاونها مع وزارة التخطيط والمتابعة والإصلاح الإداري لتوفير دعم متكامل للسياسات فيما يتعلق بالتحدي متعدد الأبعاد الخاص بتحقيق التنمية المستدامة، كما هو موضح في رؤية مصر 2030. ولقد استعرضنا كيف يمكن للحكومة أن تخطط من أجل مضاعفة النجاح، مع تركيز أكبر على التنسيق الرسمي وضمان أن تجد الخطط الوطنية الواضحة ما يعبر عنها في الميزانية الوطنية والتفكير الاستثماري الحكومي في المدى المتوسط.

 

لقد راجعنا كيف يتحرك مواطنو مصر صوب دائرة الفقر وكيف يخرجون منها، وتوصلنا إلى الفهم المشترك بأن اعتلال الصحة (المرض في الأسرة) هو أسرع طريق إلى قاع الهرم الاقتصادي. كما وأكدنا أن إجراءات الحماية الاجتماعية الجيدة والتعليم الجيد هما أسرع الطرق للإفلات من براثن الفقر.

 

وبناء على ذلك، فقد أجرينا تجربة حول توطين المقاصد العالمية للتنمية المستدامة، بناء على الافتراض بأن التحديات الاجتماعية الاقتصادية الخاصة باقتصادات حديثة مثل بورسعيد، تختلف عن تلك الخاصة باقتصادات ريفية قائمة على الزراعة مثل قنا. ويتصل بهذه العملية على نحو وثيق، العمل الذي نفذناه مع البنك الدولي حول نمذجة الاقتصاد الكلي. وخلصت هذه التجربة إلى أن للمؤسسات الكفؤة والفعالة (الحوكمة الرشيدة) تأثير مباشر وكبير على النمو الاقتصادي. وفضلا عن هذا، فقد بينت النماذج أن استجابة مصر للتحديات الديمغرافية والزيادة السكانية ستكون من المحددات الكبرى لنجاحها المستقبلي.

 

أصحاب المعالي، السيدات والسادة،  

 

من الأهمية بمكان أن نُدرك مغزى هذا التعاون؛ ألا وهو أن مصر قادرة على البناء على ما حققته من نجاحات مؤخرا في تأسيس حالة استقرار على مستوى الاقتصاد الكلي، وأن تصبح مثالا عالميا على قدرة التنمية المستدامة على أن تنقل بلدا إلى مستويات غير مسبوقة من الازدهار والرفاه لجميع مواطنيها – يشمل المهمشين والشباب والنساء والأطفال. لا بد أن يكون هذا هو لب تركيز منظومة الأمم المتحدة في مصر.

 

وبروح إصلاح الأمم المتحدة، فإن فريق منظومة الأمم المتحدة في مصر يعلن بقوة أننا نبني أجندة تقدمية لبرامج الأمم المتحدة حول عدد من المسائل الأساسية:

  1. تحويل حياة الناس: ما هو التأثير التحويلي على حيوات الناس الذي تحتاجه مصر لتسريع نسق تحقيق أهداف التنمية المستدامة وعدم ترك أحد خلف الركب؟ ما هي برامج التأثير الوطني التي يمكن قياس نتائجها، وحيث يمكن للشراكة مع الأمم المتحدة أن تولد تأثيرا متميزا؟  
  2. المؤسسات وبناء القدرات: أي المؤسسات يعتبر ذا أهمية حاسمة لنجاح أهداف التنمية المستدامة في مصر وما هو الدعم الاستراتيجي وتطوير القدرات اللازمين لها؟
  3. المشورة الاستراتيجية والمشورة فيما يتعلق بالسياسات: كيف يمكن للأمم المتحدة أن تقدم خدماتها فيما يتعلق بالمشورة الاسترايتيجية والمشورة حول السياسات، بأفضل ما يكون، وأين يمكن وضع أجندة جديدة، من منظور أهداف التنمية المستدامة، من أجل تعظيم التأثير من خلال خدمات السياسات المتكاملة للأمم المتحدة؟

 

وأخيرا، من أجل تحقيق تطلعات أهداف التنمية المستدامة، ستكون هناك حاجة لمزيد من الاستثمار في إدارة وتحليل البيانات وكذلك تعزيز نظم وآليات المتابعة والتحليل سعيا لحلول متكاملة قائمة على أدلة على مستوى السياسات. ولا بد أن يكون دعم وزيادة إتاحة واستخدام البيانات حول مؤشرات ومعايير أهداف التنمية المستدامة أولوية للأمم المتحدة في مصر. ونحن نتطلع بشدة لمواصلة شراكتنا الوثيقة مع وزارة التخطيط والمتابعة والإصلاح الإداري من أجل وضع التقرير الوطني الطوعي 2021.  

 

وفي الختام، يحدوني الأمل بأن تتمكن حكومة مصر وفريق الأمم المتحدة في مصر من البناء على الأساس القوي الذي نمتلكه. سيصبح دور المنسق المقيم للأمم المتحدة أكثر وضوحا خلال العام القادم – فهو الداعم الأممي الرئيس للمرأة والطفل، لحقوق الأشخاص ذوي القدرات الخاصة، والأشخاص المتعايشين مع مرض نقص المناعة البشرية HIV، والمهمشين والفقراء، لكنه أيضا قائد أوركسترا شديدة التعقيد تضم في صفوفها الكثير من العازفين. وأود أن أتقدم بالشكر لزملائنا في حكومة مصر، وبشكل خاص في وزارة الاستثمار والتعاون الدولي ووزارة الخارجية، لقيادتهم القوية وحوارهم المتواصل – تلك القيادة التي أتاحت لنا أن نعرض الكثير من عناصر عملية إصلاح أممية فعالة. نحن نعول على مزيد من النجاح معا. كما وأود أن أنوه بالعمل الشاق والالتزام من جانب فريق منظومة الأمم المتحدة في مصر – نحن فريق في حالة تحول كامل وليس من السهل دائما أن نطبق نهج “قيادتنا المشتركة” بحيث يكون كل واحد منا ونكون جميعا كقادة أفراد مسؤولين عن الكيفية التي تعمل بها منظومة الأمم المتحدة ككل لدعم حكومة مصر في تسريع تحقيق أهداف التنمية المستدامة. في العام القادم سنحتفل بـ75 عاما من الشراكة بين الأمم المتحدة ومصر وستسمعون وترون المزيد منا خلال ذلك العام.

 

شكرا!

 

 

شاركها أو إطبعها....Share on Facebook
Facebook
Tweet about this on Twitter
Twitter
Share on Google+
Google+
Print this page
Print

شاهد أيضاً

رسالة بمناسبة اليوم العالمي للمدن

٣١ تشرين الأول/أكتوبر ٢٠١٩  يعيش أكثر من نصف سكان العالم اليوم في مناطق حضرية. وبحلول …