خطاب الأمين العام إلى الجمعية العامة 22 أيلول/سبتمبر 2020

 

 

 

         أصحاب الفخامة والمعالي والسعادة،

              في عالمٍ انقلب رأساً على عقب، يرى الناظر إلى قاعة الجمعية العامة اليوم مشهداً من أغرب ما وقعت عليه عيناه.

              فقد غيّرت جائحة كوفيد-19 ملامح اجتماعنا السنوي على نحو لم نعهده من قبل.

              ولكنها زادت من أهميته أكثر من أي وقت مضى.

              وكنتُ قد خاطبت الجمعية العامة في شهر كانون الثاني/يناير، وحدّدتُ أربعة تهديدات تعرّض مستقبلنا المشترك للخطر – تهديدات هي أشبه بـ ”فرسان الرؤيا الأربعة“ الذين يأتون بنُذر نهاية العالم.

         أولها بلوغ التوترات الجيوستراتيجية العالمية أعلى مستوياتها منذ سنوات.

         وثانيها مواجهتنا أزمةً مناخية تهدد وجودنا.

         وثالثها انعدام الثقة العميق والمتنامي على الصعيد العالمي.

         ورابعها الجانب المظلم من العالم الرقمي.

         لكن تهديداً خامساً كان يتربص لنا في الظلام.

         فمنذ شهر كانون الثاني/يناير، تفشت جائحة كوفيد-19 كفرسٍ جامح في جميع أنحاء العالم – لتنضم إلى فرسان الرؤيا الأربعة الآخرين وتزيد من ضراوتهم.

         وفي كل يوم، تزداد الحصيلةُ المروعة للجائحة، وتغرق الأسرُ في الحزن، وتترنح المجتمعاتُ، وترتجف عُمد عالمنا على أسسها الواهنة أصلا.

         إننا نواجه في آن واحد أزمةً صحية مصيرية، وكارثةً اقتصادية وخسائر في عالم العمل هي الأكبر منذ الكساد الكبير، علاوة على تهديدات جديدة وخطيرة تحدق بحقوق الإنسان.

         لقد أماط كوفيد-19 اللثام عن أوجه الهشاشة التي يعاني منها العالم.

         أوجه اللامساواة المتنامية. وكارثة المناخ. والانقسامات المجتمعية الآخذة في الاتساع. والفساد المستشري.

         وسخّرت الجائحة هذه المظالم لصالحها، فاتخذت أضعف الناس طريدةً لها ومحت تقدّماً أُحرِز على مدى عقود.

         ولأول مرة منذ 30 عاما، يزداد الفقر.

         وتتراجع مؤشرات التنمية البشرية.

         إننا نبتعد بسرعةٍ كبيرة عن المسار الصحيح الذي من شأنه أن يفضي بنا إلى تحقيق أهداف التنمية المستدامة.

         وفي الوقت ذاته، أخذت جهود مكافحة الانتشار النووي في التداعي – فيما نحن عاجزون عن التحرك بجدية في مجالات خطر ناشئة، ولا سيما الفضاء الإلكتروني.

         إن الناس يعانون.

         وكوكبنا يحترق.

         وعالمنا يصارع التحديات التي تواجهه وقد أدركه الإنهاك وبات يبحث عن قيادةٍ حقيقية وعمل جدي.

 

         أصحاب الفخامة والمعالي والسعادة،

         إننا نعيش لحظةً تعود بنا إلى تاريخ تأسيس منظمتنا.

         فالذين بنوا الأمم المتحدة قبل 75 عاماً اجتازوا جائحةً وكساداً عالمياً وعاشوا أحداث إبادة جماعية ووقائع حربٍ عالمية.

         وقد خبروا التكلفةَ الباهظة للشقاق وأدركوا قيمة الوحدة.

         فتصدوا للموقف باستجابةٍ اتسمت بنفاذ البصيرة، جسّدها ميثاقنا التأسيسي، واتخذت من الناس محوراً لها.

         ونحن نواجه اليوم لحظةً فارقة كتلك التي واجهوها في عام 1945.

         فهذه الجائحة أزمةٌ لم نرَ لها نظيراً من قبل.

         ولكنها أزمةٌ من نوع سنواجه مثلَه مراراً وتكراراً وبأشكال مختلفة.

         إن أزمة كوفيد-19 لم تأتِ كصيحة تنبيه عالمية فحسب، بل هي تجربة تمثيلية كاملة للتحديات العديدة القادمة نتصدى لها بكامل عدتنا.

         لا بد لنا أن نمضي قدماً في طريقنا دون تكبر أو اختيال – اعترافاً منا بأن فيروساً مجهرياً لا تراه العين جعل العالم ينحني جاثياً على ركبتيه.

         ويجب أن نكون جبهةً متحدة. فعندما يمضي كلّ بلد في اتجاه كما رأينا، يعيث الفيروس فساداً في كل اتجاه.

         ولا بد أن نعمل بروح من التضامن. فما قُدّم من مساعدة إلى البلدان الأقل قدرة على مواجهة التحدي ليس إلا النَّزْر اليسير.

         ويجب أن نهتدي بالعلم وألا تغيب عنا حقائق الواقع.

         لقد مُنيت الشعبوية والقومية بالفشل.

         وتبيّن أن هذين النهجين اللذين أريد بهما احتواء الفيروس يزيدان في الغالب وبشكل واضح من سوء الحال.

         وكثيرا ما كان هناك أيضاً انفصام بين القيادة والسلطة.

         فنحن نرى نماذج للقيادة تثير الإعجاب؛ ولكنها نماذج لا صلة لها بالسلطة في العادة.

         كما أن السلطة لا تقترن دوما بروح القيادة المطلوبة.

         وفي عالمنا هذا المترابط، أصبحت الحاجةُ ملحةً إلى الاعتراف بحقيقة بسيطة هي أن ”في التضامن مصلحةٌ ذاتية“.

         فإنْ عجزنا عن استيعاب هذه الحقيقة، سنكون جميعاً من الخاسرين.

 

         أصحاب الفخامة والمعالي والسعادة،

         لقد دعوتُ، مع تفشي الجائحة، إلى وقف لإطلاق النار على الصعيد العالمي.

         واليوم أناشد المجتمع الدولي أن يدعمَ دعوتي هذه بزخمٍ جديد لكي تصبح حقيقةً واقعة بحلول نهاية العام.

         أمامنا 100 يوم بالتمام والكمال.

         ففي النزاع الدائر في ظل الجائحة لا يوجد سوى فائز واحد، هو الفيروس نفسه.

         وقد حظي ندائي الأول بدعم 180 دولة عضوا ونال تأييدَ الزعماء الدينيين والشركاء الإقليميين وشبكات المجتمع المدني وجهات أخرى.

         واستجاب له أيضا عددٌ من الحركات المسلحة – من الكاميرون إلى كولومبيا وحتى الفلبين وغيرها – وإن لم يُكتب البقاء لكثير من عمليات وقف إطلاق النار التي أعلنتها تلك الحركات.

         وثمة عقبات هائلة تعترض الطريق هي انعدام الثقة العميق، وانتشار العناصر المخرِّبة، وإرث القتال الذي ظل محتدماً لسنوات.

              ولكن لدينا من الأسباب ما يدعو إلى الأمل.

  • فهناك اتفاق جديد للسلام في جمهورية السودان أبرم بين الحكومة والحركات المسلحة إيذاناً ببدء عهد جديد، لا سيما بالنسبة للسكان الذين يعيشون في مناطق دارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق.
  • وفي أفغانستان، شكّل انطلاق مفاوضات السلام الأفغانية إنجازاً تحقّق بعد سنوات من الجهد. وستكون كيفية التوصل إلى وقفٍ دائم وشامل لإطلاق النار من بنود جدول الأعمال في تلك المفاوضات. كما أن إجراء عملية سلام شاملة للجميع، تمثَّل فيها النساء وكذلك الشباب وضحايا النزاع تمثيلا ذا مغزى، هو أفضل أمل للتوصل إلى حل مستدام.

         وفي عدة حالات، شهدنا اتفاقاتٍ جديدة لوقف إطلاق النار حالفها النجاح أكثر مما لوحظ في الماضي – أو توقفاً في القتال إن لم يتسنَ إبرام مثل هذه الاتفاقات.

  • ففي سورية، أمكن إلى حد بعيد الحفاظ على وقف إطلاق النار في إدلب. وإنني، بعد أكثر من تسع سنوات من النزاع ومن المعاناة الأليمة، أجدد مناشدتي الأطرافَ إنهاء الأعمال العدائية في جميع أنحاء البلد، فيما نواصل عملَنا من أجل التحضير لعقد الجولة المقبلة من مداولات اللجنة الدستورية.
  • وفي الشرق الأوسط – مع هدوء الأوضاع في غزة والتخلي عن ضم أجزاء من الضفة الغربية المحتلة، على الأقل في الوقت الراهن – أحث القادة الإسرائيليين والفلسطينيين على العودة إلى التفاوض بشكل جاد من أجل تنفيذ حل الدولتين، بما يتسق مع قرارات الأمم المتحدة ذات الصلة وأحكام القانون الدولي والاتفاقات الثنائية.
  • وفي ليبيا، خفت حدة القتال ولكن الحشد الهائل للمرتزقة والأسلحة – في انتهاكٍ صارخ لقرارات مجلس الأمن – يشير إلى أن خطر تجدّد المواجهات لا يزال شديدا. ولا بد لنا جميعا أن نتعاون من أجل تيسير التوصل إلى اتفاقٍ فعّال لوقف إطلاق النار واستئناف المحادثات السياسية بين الأطراف الليبية.
  • وفي أوكرانيا، لا يزال نظام وقف إطلاق النار الأخير قائماً، بيد أن إحراز تقدّم بشأن المسائل المعلقة في المجالين الأمني والسياسي في إطار فريق الاتصال الثلاثي وصيغة رباعية نورماندي من أجل تنفيذ اتفاقات مينسك سيكون أمراً ذا أهمية حاسمة.
  • وفي جمهورية أفريقيا الوسطى، ساهم اتفاقُ السلام الذي تم التوصل إليه في العام الماضي في الحدّ من العنف بقدر كبير. وأقيم تحت رعاية بعثة حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة – وبدعم من المجتمع الدولي – حوارٌ وطني جارٍ لدعم الانتخابات المقبلة ومواصلة تنفيذ اتفاق السلام.
  • وفي جنوب السودان، شهدنا طفرةً في العنف المجتمعي مثيرة للقلق غير أن وقفَ إطلاق النار ظل في الغالب مستقرا، مع قيام بعثتنا لحفظ السلام بتوفير الدعم لرصد اتفاق السلام وتنفيذه.

         وحتى في المناطق التي تشتد فيها ضراوة النزاع، ما كان لنا أن نتخلى عن مسعى إحلال السلام.

  • ففي اليمن، نحن منخرطون على نحو كامل في جهود ترمي إلى الجمع بين الأطراف من أجل التوصل إلى اتفاق بشأن الإعلان المشترك الذي يتوخى وقف إطلاق النار في كافة أنحاء البلد، وتنفيذ تدابير اقتصادية وإنسانية لبناء الثقة، واستئناف العملية السياسية.

 

         أصحاب الفخامة والمعالي والسعادة،

         سيكون التغلبُ على العقبات التي تعترض طريقَ السلام أصعب ما يكون في المناطق التي يزداد فيها نشاط الجماعات الإرهابية.

         فنحن نشهد، في منطقة الساحل وبحيرة تشاد، تداعياتِ التداخل بين الآثار الصحية للجائحة وآثارها الاجتماعية – الاقتصادية والسياسية والإنسانية.

         ويساورني بالغ القلق من أن تعمد الجماعات الإرهابية والجماعات المتطرفة العنيفة إلى استغلال الجائحة لتحقيق أغراضها.

         ويجب ألا ننسى فداحة التكلفة الإنسانية للحروب.

         وفي كثير من المناطق، تقترن الجائحة بالنزاعات والقلاقل فتوجّه ضربات عاتية للأمن الغذائي.

         وثمة ملايين في جمهورية الكونغو الديمقراطية وشمال شرق نيجيريا وجنوب السودان وفي اليمن أيضا يواجهون شبح المجاعة.

         وقد حان الوقت لإعطاء زخمٍ جماعي جديد دعماً للسلام والمصالحة.

         إنني أنادي بجهدٍ دولي معزّز – يقوده مجلس الأمن – لتحقيق وقف عالمي لإطلاق النار بحلول نهاية العام.

         أمامنا 100 يوم لتحقيق هذا الهدف. وقد بدأت عقارب الساعة في الدوران.

         إن العالم يحتاج إلى وقف عالمي لإطلاق النار يضع حداً لجميع النزاعات ”الساخنة“. وعلينا في الوقت ذاته بذل قصارى الجهد لمنع قيام حرب باردة جديدة.

         ونحن سائرون في اتجاه شديد الخطورة. فعالمنا لا قِبل له بمستقبل تشق فيه أكبر قوتين اقتصاديتين الكرةَ الأرضية نصفين يفصلهما صدعٌ عظيم – لكل معسكر قواعده التجارية والمالية وقدراته الخاصة في مجالي الاتصال عبر الإنترنت والذكاء الاصطناعي.

         ووجود هوة تكنولوجية واقتصادية ينذر حتماً بتحولها إلى هوةٍ جيوستراتيجية وعسكرية. ولا بد أن نتلافى حدوث ذلك بأي ثمن.

 

         أصحاب الفخامة والمعالي والسعادة،

         لقد اتخذت الأمم المتحدة تدابير مواجهة شاملة للتحدي الذي تطرحه الجائحة على جميع الجبهات.

         فقد قدمت منظومة الأمم المتحدة، بقيادة منظمة الصحة العالمية، الدعم للحكومات، ولا سيما في العالم النامي، لإنقاذ الأرواح واحتواء انتشار الفيروس.

         وأسهمت سلاسل الإمداد العالمية التابعة للمنظومة في توفير معدات الحماية الشخصية وغيرها من الإمدادات الطبية لأكثر من 130 بلدا.

         وقدمنا المساعدة اللازمة لإنقاذ الأرواح إلى أشد البلدان والناس ضعفا – بما يشمل اللاجئين والنازحين داخليا – وذلك من خلال خطةٍ إنسانية عالمية لمواجهة كوفيد-19.

         ووضعنا منظومة الأمم المتحدة في حالة تعبئة كاملة للطوارئ الإنمائية، وقمنا بتفعيل الأفرقة القطرية التابعة للأمم المتحدة، وأصدرنا توجيهات سياساتية على وجه السرعة لدعم الحكومات.

         وتتصدى حملة ”التحقق“ للمعلومات المضللة على الإنترنت التي تُعتبَر فيروسا ساما يهز الأسس الديمقراطية التي تقوم عليها العديد من البلدان.

         ونحن نعمل حالياً على تقديم الأدوية والعلاجات باعتبارها منفعة عامة عالمية – وندعم الجهود الرامية إلى توفير لقاح لكل الناس يتاح لهم بتكلفة ميسورة وفي كل مكان.

         غير أن بعض البلدان تقدِم، بحسب التقارير، على إبرام صفقات جانبية لفائدة مواطنيها بصورة حصرية.

         وتوخي هذا المسعى القومي في توفير اللقاح ليس أمرا مجحفا فقط، بل هو يحمل في طياته أيضا أسباب فشله.

         فلن يكون أي منا في مأمن من الفيروس حتى يكون الجميع في مأمن منه.

         وبالمثل، لا يمكن أن تدور عجلة الاقتصادات في ظل جائحة متفشية دون تحكم.

         ومنذ الوهلة الأولى، شجعنا على وضع حزمة إنقاذ ضخمة تبلغ قيمتها 10 في المائة على الأقل من قيمة الاقتصاد العالمي.

         وقد وفرت البلدان المتقدمة النمو وسائل مساعدة هائلة لمجتمعاتها. ذلك أن لها القدرة على تحمّل كلفتها.

         ولكن يتعين علينا ضمان عدم وقوع العالم النامي في براثن الإفلاس، وتفاقم الفقر، وأزمات الديون.

         ونحن بحاجة إلى التزام جماعي لتفادي الوقوع في دوامة تدفع نحو الأسفل.

         وبعد أسبوع واحد ابتداء من اليوم، سيلتئم قادة العالم لإيجاد الحلول في إطار اجتماع بشأن تمويل التنمية في فترة كوفيد-19 وما بعدها.

         ونحن نركز، في كل ما نضطلع به من أنشطة، تركيزا خاصا على النساء والفتيات.

         ذلك أن نصف البشرية يتحمل وطأة العواقب الاجتماعية والاقتصادية الناتجة عن كوفيد-19.

         ونسبة النساء غير متناسبة في أكثر القطاعات تضررا من فقدان الوظائف.

         وتضطلع النساء بمعظم أعمال الرعاية غير المدفوعة الأجر المترتبة عن الجائحة.

         كما أن مواردهن الاقتصادية الاحتياطية أقل، لأن أجورهن أقل قدرا، واستفادتهن من الاستحقاقات أقل مستوى.

         وفي الوقت نفسه، تضيع على ملايين الفتيات فرص الاستفادة من التعليم وتوفير مستقبل لهن مع إغلاق المدارس وتزايد زواج الأطفال.

         وثمة احتمال أن تتراجع المساواة بين الجنسين إلى المستوى الذي كانت عليه منذ عقود، ما لم نعمل الآن على معالجة هذا الوضع.

         ويجب علينا أيضا أن نضع حدا للزيادة المروعة في أعمال العنف المرتكبة ضد النساء والفتيات خلال هذه الجائحة، سواء اتخذت شكل العنف المنزلي أو الاعتداء الجنسي أو التحرش على الإنترنت أو قتل الإناث.

         والحالة أشبه بحرب غير معلنة على النساء.

         ويستلزم منعها وإنهاؤها نفس ما نبديه من التزام وما نكرسه من موارد لأشكال الحرب الأخرى.

 

         أصحاب الفخامة والمعالي والسعادة،

         إلى جانب تدابير المواجهة المتخذة فوريا، يجب توجيه جهود التعافي نحو تهيئة مستقبل أفضل، اعتبارا من الآن.

         فعملية التعافي هي فرصتنا لرسم معالم الاقتصادات والمجتمعات في هيئة جديدة.

         ونحن نملك فعلا المخططات الكفيلة بتحقيق ذلك، ألا وهي ميثاق الأمم المتحدة، والإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وخطة عام 2030، واتفاق باريس.

         وينبغي أن تفضي الجهود المبذولة في سبيل التعافي إلى بناء القدرة على الصمود.

         وذلك ما يتطلب إقامة عقد اجتماعي جديد على الصعيد الوطني، وصياغة صفقة عالمية جديدة على الصعيد الدولي.

         ويراد بالعقد الاجتماعي الجديد بناء مجتمعات شاملة للجميع ومستدامة.

         ومبدأ الشمول هنا يعني الاستثمار في التماسك الاجتماعي وإنهاء جميع أشكال الإقصاء والتمييز والعنصرية.

         ويعني أيضا تهيئة نظم للحماية الاجتماعية من جيل جديد، تشمل توفير التغطية الصحية للجميع وإمكانية إتاحة دخل أساسي شامل.

         ويعني توفير فرص الحصول على التعليم للجميع وتسخير قدرات التكنولوجيا الرقمية، وهم العاملان اللذان يولدان في عصرنا هذا قدرة هائلة على التمكين وتحقيق المساواة.

         ويعني وضع نظم ضريبية يساهم من خلالها الجميع – أفرادا وشركات – بحصته العادلة.

         ويعني كذلك ضمان تبوء حقوق الإنسان مكانة مركزية في كل أعمالنا، تمشيا مع النداء إلى العمل من أجل حقوق الإنسان الذي وجهته في وقت سابق من هذا العام.

         ويعني أيضا تمتع النساء والفتيات بالمساواة في الحقوق والفرص.

         حيث أظهرت الجائحة، بوضوح أكثر من أي وقت مضى، فعالية الدور القيادي للنساء.

         وبعد مرور 25 عاما على انعقاد مؤتمر بيجين، لا بد أن تكون فتيات اليوم قادرات على تحقيق طموحاتهن وإمكاناتهن بلا حدود.

 

                  أصحاب الفخامة والمعالي والسعادة،

         إن إقامة عقد اجتماعي جديد مستدام يعني الانتقال إلى استخدام الطاقة المتجددة من أجل الوصول بالانبعاثات إلى مستوى الصفر بحلول عام 2050.

         وإنني أطلب من جميع البلدان أن تنظر في اتخاذ ستة إجراءات مناخية إيجابية خلال سعيها إلى إنقاذ اقتصاداتها وإعادة بنائها وإعطاء انطلاقة جديدة لها.

         أولا، نحن بحاجة إلى جعل مجتمعاتنا أكثر قدرة على الصمود وضمان مرحلة انتقالية تتسم بالعدل.

         ثانياً، نحن بحاجة إلى تهيئة فرص العمل الخضراء وتحقيق النمو المستدام.

         ثالثا، ينبغي أن تكون عمليات إنقاذ قطاعات الصناعة والطيران والملاحة مشروطة بمواءمة هذه الأنشطة مع أهداف اتفاق باريس.

         رابعا، ينبغي وقف تقديم الإعانات المالية لقطاع الوقود الأحفوري.

         خامسا، يتعين وضع المخاطر المناخية في الحسبان في جميع عمليات صنع القرارات المالية والسياساتية.

         سادسا، يجب أن نعمل معا على ألا يترك أحد خلف الركب.

         غير أنه من أجل الحد حقا من أوجه الهشاشة والمخاطر، وإيجاد حلول للمشاكل المشتركة بفعالية أكبر، نحن بحاجة في المقابل إلى صفقة عالمية جديدة على المستوى الدولي.

         والغرض من هذه الصفقة العالمية الجديدة هو ضمان توفير النظم السياسية والاقتصادية العالمية للمنافع العامة العالمية الحاسمة الأهمية.

         وذلك ما لا تضطلع به تلك النظم اليوم بكل بساطة.

         حيث نلمس وجود ثغرات هائلة في هياكل الإدارة والأطر الأخلاقية.

         ومن أجل سد هذه الثغرات، يتعين علينا أن نضمن تقاسم السلطة والثروة والفرص على نطاق واسع وبشكل عادل.

         ويجب أن تكون الصفقة العالمية الجديدة متجذرة في عولمة عادلة، تقوم على كفالة حقوق كل البشر وصون كرامتهم، وعلى العيش في وئام مع الطبيعة، وعلى النهوض بمسؤولياتنا تجاه الأجيال المقبلة.

         وعلينا أن ندمج مبادئ التنمية المستدامة في جميع عمليات صنع القرار من أجل تحويل تدفق الموارد لتحقيق مبادئ مراعاة البيئة والاستدامة والإنصاف.

         ويجب أن تتحول النظم المالية العالمية إلى هذه الوجهة.

         وينبغي أن تكون التجارة حرة وعادلة، دون تقديم إعانات مالية وفرض حواجز ضارة تؤدي إلى ترجيح كفة الميزان في غير صالح اقتصادات البلدان النامية.

         ويجب أن تتصدى الصفقة العالمية الجديدة للمظالم التاريخية التي تعتري هياكل ميزان القوة العالمي.

         ذلك أن المؤسسات المتعددة الأطراف هي بحاجة إلى تحديث، بعد مرور أكثر من سبعة عقود على إنشائها، بحيث يصير تمثيل جميع شعوب العالم فيها أكثر إنصافا، بدلا من إسناد سلطة غير متناسبة لبعضها وتقييد قدرة الشعوب الأخرى على إسماع صوتها.

         إننا لسنا بحاجة إلى استحداث كيانات بيروقراطية جديدة.

         ولكن نحن بحاجة إلى نظام متعدد الأطراف يتوخى سبيل الابتكار باستمرار، ويحقق الإنجازات التي تصبو الشعوب إليها، ويوفر الحماية لكوكبنا.

         ويجب أن تتسم تعددية الأطراف في القرن الحادي والعشرين بالترابط، حيث ترتبط المؤسسات العالمية ببعضها عبر القطاعات والمناطق الجغرافية، بدءا بمصارف التنمية ووصولا إلى المنظمات الإقليمية والتحالفات التجارية.

         ويجب أن تكون تعددية الأطراف في القرن الحادي والعشرين شاملة للجميع، بتوسيع دائرة التواصل، والاستفادة من قدرات المجتمع المدني والمناطق والمدن والأعمال التجارية والمؤسسات والهيئات الأكاديمية والعلمية.

         وذلك ما سيكفل نظاما متعدد الأطراف يتسم بالفعالية ويستجيب لمتطلبات القرن الحادي والعشرين.

 

         أصدقائي الأعزاء في كل مكان،

         إنه لا سبيل أمامنا للتصدي لهذه الأزمة بالنكوص أو الانغلاق على النفس في القوقعة الوطنية.

         ولأجل التغلب على أوجه الهشاشة والتحديات الراهنة، نحن في حاجة إلى زيادة التعاون الدولي – وليس خفضه؛ وإلى توطيد المؤسسات المتعددة الأطراف – وليس التخلي عنها؛ وإلى إدارة عالمية أفضل حالا – وليس السقوط في فوضى عارمة.

         لقد قلبت الجائحة العالم رأسا على عقب، ولكن هذا الوضع المضطرب أفسح المجال لواقع جديد.

         فالأفكار التي كانت تعتبر في وقت من الأوقات مستحيلة أصبحت فجأة أفكارا مطروحة للنقاش.

         ولم يعد العمل الواسع النطاق يبدو عملا ينطوي على مشقة بالغة. ففي غضون أشهر فقط، غيَّر الناس، بأعداد تقدر بالبلايين، بشكل جذري أساليب العمل والاستهلاك والتنقل والتفاعل التي يتبعونها.

         وتبيّن فجأة أن التمويل الواسع النطاق أمر ممكن، حيث تم توفير تريليونات الدولارات لإنقاذ الاقتصادات.

         وفي إطار الاحتفال بالذكرى السنوية الخامسة والسبعين لإنشاء الأمم المتحدة، دعتني الجمعية العامة إلى تقديم تقرير عن جدول أعمالنا المشترك في المستقبل.

         وإنني أرحب بهذه الفرصة المتاحة لمباشرة عملية تأمل متعمقة.

         وسوف أقدم في العام المقبل تقريرا أضمّنه تحليلا وتوصيات بشأن سبل تحقيق أهدافنا المشتركة.

         فلنجعل من إنجازاتنا على مدى تاريخ الأمم المتحدة مصدر إلهام لنا.

         ولنستجب لتطلعات الحركات المطالبة بالعدالة والكرامة.

         ولنهزم فرسان الرؤيا الخمسة، ولنعمل على تهيئة العالم الذي نحن بحاجة إليه، عالم قوامه السلام والشمول والاستدامة.

         لقد علمتنا الجائحة أن اختياراتنا لها وزنها.

         فلنتوخ في تطلعنا إلى آفاق المستقبل جانب الحكمة عند الاختيار.

         شكرا لكم.

شاركها أو إطبعها....Share on Facebook
Facebook
Tweet about this on Twitter
Twitter
Share on Google+
Google+
Print this page
Print

شاهد أيضاً

هدف الشهر.. القضاء على الجوع وتوفير الأمن الغذائي والتغذية المُحسنة وتعزيز الزراعة المستدامة

  هدف شهر نوفمبر من أهداف التنمية المستدامة، هو الهدف 2، المعني بالقضاء التام على …